الجصاص
322
الفصول في الأصول
ولو جاز ذلك ، لجاز أن يقال في قوله تعالى : ( وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ) ( 1 ) وقوله تعالى : ( كتب عليكم الصيام ) ( 2 ) وقوله تعالى : ( ولله على الناس حج البيت ) ( 3 ) إنه مخصوص به أهل المدينة دون غيرهم ، فلما بطل هذا لأن عموم اللفظ لم يفرق بينهم وبين غيرهم ، كذلك حكم الآيات الموجبة لصحة الإجماع ، لما كانت مبهمة ، لم يجز لأحد الاقتصار بها على أهل المدينة دون غيرهم ، ولو جاز لقائل أن يخص بها أهل المدينة ، لجاز لغيره أن يخص بها أهل الكوفة دون من سواهم ، فلما لم يجز تخصيص أهل الكوفة فيما تضمنته هذه الآيات كان كذلك حكم أهل المدينة فيها . وأيضا : فلو كان إجماعهم هو المعتبر في كونه حجة ، لما خفى أمره على التابعين ومن بعدهم ، فلما لم نر أحدا من تابعي أهل المدينة ومن غيرهم ( 4 ) وممن جاء بعدهم ، دعا سائر الأمصار ( 5 ) إلى اعتبار إجماع أهل المدينة ولزوم اتباعهم . دل ذلك : على أنه قول محدث ، لا أصل له عن أحد من السلف ، بل إجماع السلف من أهل المدينة وغيرهم ظاهر في تسويغ ( 6 ) الاجتهاد لأهل سائر الأمصار معهم ، وأجازوا لهم مخالفتهم إياهم . فقد حصل من إجماع السلف من أهل المدينة وغيرهم بطلان قول من اعتبر إجماع أهل المدينة . وأيضا : فلو كان إجماع أهل المدينة حجة ، لوجب أن يكون حجة في سائر الأعصار ، كما أن إجماع الأمة لما كان حجة لم يختلف حكمه في سائر الأزمان في كونه حجة ، ولو كان كذلك لوجب اعتبار إجماع أهل المدينة في هذا الوقت ، ومعلوم : أنهم في هذا الوقت أجهل الناس ، وأقلهم علما ، وأبعدهم من كل خير . فإن قيل : إنما يعتبر الآن إجماع من يتفقه على مذهب أهل المدينة وهم : أصحاب مالك ابن أنس .